العلامة المجلسي
235
بحار الأنوار
تسرف ، وقد نهيتك عن الاسراف ، ورجل يدعو في قطيعة رحم ، ثم علم الله عز وجل اسمه نبيه صلى الله عليه وآله كيف ينفق ، وذلك إنه كانت عنده أوقية من الذهب فكره أن تبيت عنده ، فتصدق بها ، فأصبح وليس عنده شئ ، وجاءه من يسأله ، فلم يكن عنده ما يعطيه ، فلامه السائل ، واغتم هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه وكان رحيما رقيقا فأدب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله بأمره فقال : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " ( 1 ) يقول : إن الناس قد يسألونك ، ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين ، وقال أبو بكر عند موته ، حيث قيل له : أوص ، فقال : أوصي بالخمس ، والخمس كثير ، فإن الله عز وجل قد رضي بالخمس ، فأوصى بالخمس ، وقد جعل الله عز وجل له الثلث عند موته ، ولو علم أن الثلث خير له أوصى بها ، ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان - رض - وأبو ذر - ره - . فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته ، حتى يحضر عطاؤه من قابل فقيل له : يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا ؟ وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا ؟ فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء ، كما خفتم علي الفناء ؟ ! أما علمتم يا جهلة أن النفس قد تلتاث على صاحبها ، إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت . وأما أبو ذر - رض - فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ، ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم ، أو نزل به ضيف ، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة ، نحر لهم الجزور أو من الشاة على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم ، فيقسمه بينهم ، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم ، لا يتفضل عليهم ، ومن أزهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال ، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة ، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ، ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم .
--> ( 1 ) سورة الإسراء الآية : 29 .